السيد رضا الصدر
29
محمد ( ص ) في القرآن
بنظير له في أيّ قطر من الأقطار ، وأيّ حقبة من الأحقاب ، ولا في أيّ قوم من الأقوام ، وأيّ شعب من الشعوب . هذا الأمّي العظيم معجزة بنفسه ، معجزة في علمه ، معجزة في خلقه ، معجزة في عقله ، معجزة في عفوه ، معجزة في حلمه ، معجزة في شجاعته ، معجزة في كلّ كمالاته وصفاته . خضعت له الإنسانية ولا مثيل له ولا نظير في البشرية . وما أكثر وجوه الإعجاز في هذه العبقرية الفذّة والشخصية العظيمة ! من هذه الوجوه : أنّ هذا الأمّيّ العظيم نشأ في أرض جدبة لا تنبت إلّا الشدّة والخشونة ، ولا تنتج إلّا القسوة والصلابة في صخورها وسهولها وأشجارها وأشواكها وحيوانها وإنسانها ، ومن ينشأ في مثل هذا المنبت لا يتوقّع أن يوجد فيه إلّا الغضب وسوء الخلق ، والأخذ بالثأر ، ولا ينتظر فيه إلّا الكبر والخيلاء والعتوّ والعصبيّة والثورة والانتقام . ولقد كان شعاره العلم والحلم وحسن الخلق والتواضع ، ودثاره العفو والرحمة والغفران والشفقة ، وذلك نقض لشرع الاستيلاء ، وسنّ المواريث ، ونفوذ البيئات والأوساط . ومنها : أنّه كان في علمه وعقله ودرايته وأفكاره وأقواله وأفعاله فوق المجتمع الذي عاش فيه وقضى حياته الطيّبة في أوساطه ، ومن يكن فوق مجتمع بكامله في العقل والنبل والذكاء والحكمة فهو لا يستطيع أن يعيش فيهم كأحدهم . ويختلف إليه كأيّ فرد عاديّ آخر ؛ لأنّ العلوّ الذاتيّ والترفّع النفسيّ يأبيان له العيش معهم والتقرّب إليهم ، فإذا أجبر على ذلك فلا يلتقي بهم إلّا بوجه قطوب وكلام خشن وعين غاضبة . ولكنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله عاش بين من عاصره من الناس كأحدهم ، يخالطهم ويجالسهم ويؤنسهم ويحضر أنديتهم ، يحادثهم ويفاوضهم ويجيب على أسئلتهم ، ويأتيهم بما يطلبون . يواجههم بوجه طلق بسّام ، حتّى ضرب به المثل في ذلك . فهم لا يلمسون منه ترفّعا . عاش فيهم كأحدهم ، وهم لم يعرفوه حقّ المعرفة ، ولم يدركوا علوّ مقامه ، و